• ×

قائمة

جديد الأخبار

22/ 7/ 2020م شبكة الناخبي / يافع : قبل ثانيتين وجزء من الثانية انتهيت من قراءة..

السلطان محمد بن عيدروس العفيفي: الثورة ضد الانجليز من قمة السلطة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

السلطان محمد بن عيدروس العفيفي: الثورة ضد الانجليز من قمة السلطة

إعداد: فضل محمد عيدروس العفيفي

توجه السلطان محمد بن عيدروس من المنطقة الجبلية من سلطنة يافع بني قاصد الى المنطقة الساحلية منها، وتولى نيابة السلطنة في شهر يوليو 1952م..

حدث ذلك مع قيام الثورة المصرية، التي تأثر بها وبزعيمها جمال عبد الناصر تأثراً كبيراً، والذي رأى فيه القائد والقدوة، ورأى في مصر المثال في كل شيء يمكن ان يؤسس له في سلطنة يافع من الإدارة إلى التعليم إلى القضاء والتشريعات إلى الصحة وفي كل مناحي الحياة.

وبدئ بزخم وقوة حتى جعل من مدينة جعار حينها، مدينة ريفية نموذجيه، لكنه اصطدم منذ العام الأول بإرادة الإدارة البريطانية التي كانت تمارس ما تراه حقاً وضرورياً لإبقاء السيطرة على الأمور تحت يدها. تأثير الثورة المصرية، جعله يتواصل مع من يتحدثون بالنفس القومي والوطني، وعن حتمية

 الأمير الشهيد محمد بن عيدروس العفيفي
الأمير الشهيد محمد بن عيدروس العفيفي

انتصار الحركات الوطنية ورحيل الاستعمار فكان على تواصل مستمر مع قادة الحركات الوطنية في عدن من الأحزاب والنقابات والأندية. في 7 يناير 1954م، أحيت الادارة البريطانية موضوع الاتحاد بين المحميات. السلطان محمد رفضه واعتبر أن ذلك تمديداً لفترة بقاء الاستعمار.. في 27 أبريل عام 1954م، زارت ملكة بريطانيا عدن، وقبل وصولها تم عمل بروفة على كيفية الانحناء تحية للملكة وتقديم فروض الاحترام لها. رفض السلاطين والأمراء موضوع الانحناء أمام الملكة، عندما عرض الأمر عليهم ـ كما هو حال الإنجليز عند السلام على ملكتهم لذلك عمد منظمو الحفل إلى الحيلة للخروج من المأزق فوضعوا أعمدة وحبل قبالة مقعد الملكة ليجعلوا المتقدم لتحية الملكة ينحني انحناءه خفيفة بقصد المرور من تحت الحبل فيحقق غرضهم، لكن عندما أتى دور السلطان محمد اخرج جنبيته وقطع الحبل ومر دون انحناء.. بسبب رؤيته، بأن من حقه السيطرة على مقاليد الإدارة في السلطنة دون تدخل من الإدارة البريطانية، فقد طرح على النائب الفضلي أن يقوم برئاسة لجنة أبين الزراعية بالتناوب بينهما بدلاً من ترؤسها من قبل المعتمد البريطاني. الإدارة البريطانية كانت تستخدم هذه اللجنة كوسيلة وغطاء للهيمنة على المنطقة ومورد مالي للأعمال السياسية والإستخباراتية، بينما النائب ومجلس السلطنة لا يمثلان اكثر من واجهة اجتماعية.
 حاكم عدن السير هيكن بوثم اثناء استقبال السلطان عيدروس له في قلعة القاره
حاكم عدن السير هيكن بوثم اثناء استقبال السلطان عيدروس له في قلعة القاره

هذا الأمر لم يلاقِ قبولاً من الإدارة البريطانية على عهد والي عدن (السير هيكن بوثم) وتردد هو والمعتمد البريطاني


وضابط الزراعة على السلطان محمد لإقناعه بالعدول عن هذا الموضوع. وفي الأخير، وضع والي عدن مقترحاً اعتقد انه يتناسب مع الأحداث السياسية المتسارعة في الشرق الأوسط بسبب المد الناصري وعرض فيه بأن باستطاعة السلطنتين أن تديرا لجنة أبين ويبقى حق الإدارة البريطانية لتدخل في الحالات الطارئة لتدير اللجنة في حالة توقفها بسبب خلاف نشأ بين السلطنتين أو بسبب عدم الاقتدار على إدارتها. السلطان محمد رفض موضوع تدخل الإدارة البريطانية في الحالات الطارئة التي ذكرها المقترح. في ديسمبر عام 1955م، زار بريطانيا وفد من لجنة أبين مكون من السلطنة اليافعية والسلطنة العبدلية والسلطنة الفضلية، ومن ضمن الوفد كان السلطان محمد وقحطان الشعبي و عبدالله علي الجفري، الذين كان لهم هدف من الزيارة على غير ما رسمته الإدارة البريطانية وما يعرفه بقية الوفد. وجدوا أن هناك فارقاً في السعر بين ما تدفعه الشركات المشترية وما يستلمه المزارعون من لجنة أبين وعرفوا أن هذا الفارق كان يذهب لصالح لجنة تسمى لجنة عمولة القطن الخام. طالب نشطاء الوفد بإلغاء هذه اللجنة وبدلاً عن ذلك يقوم الراغبون بشراء قطن (أبين بورد) محلوج وجاهز في ميناء عدن حسب نظام (فوب) وعبر سمسار متخصص. وبسبب تلك الزيارة ازداد المزارعون من أرباح القطن بما يعادل 150 %، وازدادت شعبية السلطان محمد في منطقته وفي المناطق المجاورة. وبالمقابل هبط رصيده لدى الإدارة البريطانية خاصة وانه اصبح لا يخفي تعاطفه مع عبدالناصر ويشجع الخطباء والمثقفين على التحدث مع المواطنين في مجالسهم واحتفالاتهم في ذلك الاتجاه، وكان بعض من أعضاء الرابطة يتصدرون مثل ذلك الخطب والأحاديث.

عداء بريطانيا للسلطان

بدأت الإدارة البريطانية تكيل له وتشجع أعضاء مجلس السلطنة ضده وتشيع أن محمد بن عيدروس يرفض فكرة الاتحاد، لان الإدارة البريطانية رفضت طلبه بان يكون هو رئيس الاتحاد المقترح. لقد كان لتأميم قناة السويس وما لحقه من العدوان الثلاثي على مصر، اثر كبير على تأجيج مشاعره ضد الإدارة البريطانية، والتعديل برفع مستوى المواجهة معها، واستدعت الإدارة البريطانية الضابط السياسي الإنجليزي (لاري هوبسن) خصيصاً من لندن باعتباره المرشح الأفضل لإقناع محمد بن عيدروس بالعدول عما هو سائر عليه، لكنه لم يفلح. اشتدت الخلافات وانعدمت صيغ التفاهم بينه وبين الإدارة البريطانية، ومواضيع الخلاف متعددة، تبدأ بتدخل الإدارة البريطانية بشئون إدارة السلطنة ومنها إدارة لجنة أبين الزراعية، التي تعارض الوجود البريطاني مع الحس الوطني والتعاطف مع الثورة المصرية إلى عدم الارتياح للقاءاته مع قادة الأحزاب والنقابات والأندية في عدن إلى رفضه المطلق لقيام الاتحاد بالصورة التي ترغب بها الإدارة البريطانية، وانتهاء بمطالبته برحيل الاستعمار.

وفي جو مشحون بالتوتر والتهديد من قبل الإدارة البريطانية، غادر المنطقة الساحلية إلى المنطقة الجبلية من السلطنة في 17 ديسمبر 1957م ومعه قوة الحرس القبلي اليافعي وكثير من الشخصيات الاجتماعية وموظفو السلطنة وكان هذا التاريخ نهاية فترة الاحتكاك المباشر مع الإدارة البريطانية والتي دامت خمس سنوات ونصف. بعد المغادرة، أقام مركز عسكري للمقاومة في (غيل المقيل) في منطقة حطاط وبالتحديد في شعب مكر وقد سجلت إدارة الأمن في المنطقة الساحلية أولى العمليات بتاريخ 29 يناير 1958م. كانت تنطلق من (مكر) حرب عصابات متواضعة نظرا لشحة الإمكانات حيث استمرت العمليات لفترة تقارب شهرين ونصف، وكانت موجهة ضد مراكز الجيش الموالية ومنازل الضباط السياسيين وعملاء الإدارة البريطانية وفي العديد من المرات كان المقاومون يتعرضون للكمائن، إحداها التي قتل فيها عبدربه بن محمد بن الحاصل اليهري، وكان ذلك في ليلة 28فبراير1958م. في 28مارس 1958م وقعت الحادثة المشهورة في يافع،

 سلاح الجو الملكي البريطاني يقصف منزل السلطان محمد عيدروس  وكثير من القرى
سلاح الجو الملكي البريطاني يقصف منزل السلطان محمد عيدروس وكثير من القرى

عندما قام سلاح الجو البريطاني بضرب قافلة من المسافرين في (حطاط) ظاناً أنها من المقاومة، وكانت أول عمليه لسلاح الجو موجهة ضد من كان يعتقد أنه محمد بن عيدروس ورجاله. شحة الإمكانات جعلت العمليات العسكرية تتوقف. وقد حاول السلطان محمد الحصول على دعم الإمام إلاَّ أن ذلك لم يحصل فاتجه نحو تأمين الوضع الداخلي في المنطقة الجبلية والذي حاولت الإدارة البريطانية خلخلته من خلال رموزها وقد عززت عملهم بسلسلة طويلة من عمليات قصف سلاح الجو، بدأها بضرب منزل السلطان بجوار القارة في 16يونيو 1958م وانتقل القصف بعد ذلك وعلى مدى حوالى أربع سنوات إلى العديد من قرى يافع ومزارع البن فيها، وذلك بغرض تحطيم الروح المعنوية عند القبائل وبالتالي قتل روح المقاومة لديهم. لم يعد في يد محمد بن عيدروس إلا الوقوف موقف الدفاع والمحافظة على الجبهة الداخلية من التصدع قدر الإمكان بينما عملت الإدارة البريطانية وأصدقاؤها على التشكيك بالأهداف المعلنة لخصمها ومارست عمليات الترغيب والترهيب ضد قبائل يافع لتفريقهم من حوله ومدت المال والسلاح وكسبت البعض وحيدت البعض. كانت الإدارة البريطانية تمد المال والسلاح والذخيرة لأنصارها واتباعهم وكان على السلطان محمد أن يفعل الشيء نفسه مع من يواجهون أولئك من اتباعه، وقد أرهقه ذلك كثيراً إذ لم يكن رجل عصابات يضرب ويهرب بل رجل دولة يحافظ على حدود دولته، ويترتب على ذلك التزامات كثيرة وثقيلة.

خيار المقاومة

خيار المقاومة العسكرية لم يعد في يده، لذلك ركز جهوده على المقاومة السياسية مع الاحتفاظ بسلامة المنطقة الجبلية من الاختراق بشتىء أنواعه، حيث أن الإدارة البريطانية كانت تسعى لتضييق الخناق عليه وإجباره على مغادرة يافع. أكثرت الطائرات البريطانية من إسقاط المنشورات التي تصف محمد بن عيدروس بـ (المجرم) و (قاطع الطريق) وتتوعد من يؤيده أو يمد يد العون له بان مصير منزله ومزرعته كمصير من سبقوه، وتعد من يتفاهم مع الإدارة البريطانية ويتجه إلى الجزء الساحلي لذلك الغرض بأنه سيكافئ بصيانة أملاكه بالإضافة إلى الرضى المعنوي والمادي. تركز نشاط محمد بن عيدروس في تلك الفترة على مجابهة تلك المحاولات لزعزعة معنويات القبائل في يافع بتوجيه حرب إعلامية مضادة عبر رسائله إلى مشائخ وشخصيات يافع وعبر المنشورات التي يوزعها بين الحين والآخر وعبر البيانات التي كان يرسلها أحيانا عبر إذاعة صوت العرب من القاهرة وعبر إذاعة صنعاء وصحيفة «سبأ» في تعز ويرسل تلك المنشورات أيضا مع رسائل إلى أنصاره ومؤيديه في عدن. كما ساعدته في ذلك البرامج والتعليقات التي كانت تذاع من صوت العرب ومن صنعاء وتتكلم عن الثورة في يافع وتشحذ همم أبنائهم على التحدي والصمود في وجه قوة عدوهم وجبروته.

كان جُل اعتماد السلطان محمد على تمويل الصمود من عائدات أملاكه من الأراضي الزراعية في الجزء الجبلي وهي متواضعة جدا مقارنة بالعمل المفترض وكان يصرف كل عائداته على الصراع القائم ضد الإنجليز ومعظم ما كان يصرفه كان للمؤلفة قلوبهم حتى لا يقعوا تحت إغراءات خصومه. قرب نهاية شهر أكتوبر 1960م تأكد للسلطان محمد خبر زيارة وفد كبير إلى (سلب) شمال شرق القارة. وتأكد للسلطان انه تحت غطاء تلك الزيارة سينصب جهاز اتصال وسيعمل على تمركز بعض القوة العسكرية المدربة على استخدام المدافع فيها، وسيمثل هذا المركز إذا ما تم عنق الزجاجة الذي يتحكم بالحركة بين القارة والبيضاء بالإضافة إلى قربه من القارة وتهديده المباشر لها.

كتب السلطان إلى القبائل وأوضح لهم أن باطن الزيارة غير ظاهرها وعليهم إرجاع الوفد من حيث أتى. جرت معارك بين الجانبين اعتباراً من 27و حتى يوم 30 أكتوبر الذي مع تباشير فجره اغارت طائرات سلاح الجو على المقاتلين كما أغار سرب آخر على منزل السلطان الثاني في القارة وعند المغرب تمت الإغارة على قرية (السورق) في ذي ناخب.

ماحدث في (سلب) أثار حفيظة الإدارة البريطانية كما يبدو من تكثيف وتنظيم عملياتها الاستخبارية عن خصمهم وأنصاره ومن خططهم التي وضعوها للوصول إلى القارة واحتلالها. قصف جوي على يافع وفي الفترة بين 13فبراير،

 بعض المنشورات التي ترمى من الجور لحث القبائل على عدم مناصرة السلطان محمد عيدروس
بعض المنشورات التي ترمى من الجور لحث القبائل على عدم مناصرة السلطان محمد عيدروس

إلى 9 أبريل عام 1961م قام سلاح الجو البريطاني بقصف قرى ومناطق يافع بشكل متواصل ليلاً ونهاراً ورافق ذلك القصف إسقاط منشورات تدعو قبائل يافع إلى عدم مناصرة محمد بن عيدروس أو تقديم العون له وان من يفعل ذلك سيتعرض منزله وأرضه للقصف من قبل سلاح الجو البريطاني، ثم تطورت صيغة المنشورات فأصبحت تطالب بخروج محمد بن عيدروس من يافع وهددت بان قصف قرى يافع لن يتوقف إلا بخروجه. أصبحت عيون المخبرين مركزة بشكل اكبر على أماكن تواجد السلطان وتيقن من انه اصبح مستهدفاً شخصياً لذلك تجنب السكن في أي منزل مراعاة لأصحابها ولان السكن في المنازل اصبح غير عملي بالنسبة لوضعه كان يتنقل في شعاب الجبال وكان لا يكثر من المرافقين فقط اثنان أو ثلاثة حتى لا يكون وجوده ملحوظاً في أي مكان يكون هو فيه وكان لا يستقر في مكان واحد اكثر من يومين وبعض الأحيان لا يستقر اكثر من ساعات وقد ضربت عدة أماكن بعد أن غادرها. عندما وجد السلطان محمد انه عاجز عن مقاومة وردع سلاح الجو البريطاني الذي يسرح ويمرح ويفعل ما يحلو لخصومه ووجد أن بقاءه على هذه الحالة يزيد من تدمير المساكن وحرق المزارع وترويع المواطنين في يافع ويزيد من مآسي أبنائها دون أن يكون قادراً على الرد لذلك قرر المغادرة إلى البيضاء وكان ذلك في 5 شهر يونيو 1961م.

توجه إلى تعز حيث سعى إلى مقابلة الإمام احمد، ولم يحضَ إلا بمقابلة ولي العهد الأمير محمد البدر. وشرح له أسباب الخلاف مع الإنجليز وما فعله سلاح الجو البريطاني في يافع وطلب مساعدة المملكة المتوكلية اليمنية المادية والعسكرية وخاصة في السلاح الثقيل (مضادات الطائرات) وإذا كانت المملكة لا تستطيع تقديم ذلك، فعلى الأقل أن يطلبوا توقيف القصف المستمر على يافع.

الأمير محمد البدر طلب منه أولاً أن يوحد المعارضة ضد الإنجليز وأعطاه فرصة لذلك راسل الجهات الوطنية المعارضة في عدن، وحضر منهم ممثلو أربعة عشر نادياً وبعض ضباط الجيش. واتفقوا مع السلطان محمد علي ان يرفع للإمام بمطالب المساعدات الضرورية لمقاومة الاستعمار وان محميات الجنوب عند نيلها الاستقلال ستكون ضمن يمن واحد في إطار مملكة «دستورية» واحدة يكون الإمام احمد ملكها على أن تكون لهذه المملكة حكومة وبرلمان منتخبان من الشعب لم يوافق الإمام على ما طرح وعاد القادمون من حيث أتوا.

سبق له مراسلة مجلس العموم البريطاني بعد قدومه إلى البيضاء. وقد زاره إليها نائبان من حزب العمال في مجلس العموم بتاريخ 22 يونيو 1962م. عرض عليهما السلطان صور الدمار الذي خلفته هجمات سلاح الجو البريطاني في يافع
 احدى القرى في يافع تتعرض للقصف من الطائرات البريطانية
احدى القرى في يافع تتعرض للقصف من الطائرات البريطانية

وطرح لهم مطالبه وتظلمه من التعسف وفرض الارادة التي تمارسها الادارة البريطانية في عدن كما طالبهم بنقل رغبة أبناء المحميات في الحصول على الاستقلال أسوة بالشعوب التي حصلت على استقلالها من بريطانيا.

مع قيام ثورة 26سبتمبر توقع السلطان محمد وزملاؤه أن ينفرج الضيق والإحباط الذي كانوا يعانون منه وزاد من ذلك الشعور علمهم بقدوم قوات الجمهورية العربية المتحدة لنصرة الثورة الوليدة. اندلعت المعارك بين الجمهوريين والملكيين وأوحى السلطان محمد إلى بعض أنصاره لدعوة أبناء يافع للتطوع والقتال مع الجمهورية وقد حضر من أبناء يافع إلى البيضاء وأرسلوا إلى صنعاء على ثلاث دفعات ما يقارب 970متطوعاً. جرت محاولات لتكوين جبهة تسمى بجبهة التحرير في بداية عام 1963م إلا أن ذلك لم يتم بسبب اختلاف القوميين والبعثيين والرابطيين على دور الهيمنة على تلك الجبهة مما حدا بالقيادات القبلية إلى الانسحاب وتكوين هيئة تحرير الجنوب اليمني المحتل وكان السلطان محمد من مؤسسيها.

في 14 أكتوبر 1963م جرت الحادثة المعروفة التي قتل فيها راجح بن غالب لبوزة بعد عودته من قتال الملكيين وأعلن لاحقاً ذلك التاريخ كانطلاقة لثورة الجبهة القومية ضد الإنجليز.

بدأت القيادة العربية توحي وتضغط على الحركات الأخرى للإنضمام إلى الجبهة القومية، واحضر عبدالله المجعلي والسيد ناصر السقاف (من أعضاء الجبهة القومية) نسخه من نظامها الداخلي لاطلاع السلطان محمد وبعض قيادة هيئة تحرير جنوب اليمن المحتل عليه.

لم يوافق السلطان محمد وزملاؤه على هذا النظام لأنه مطروح للعرض وغير قابل للتعديل ولأنه تجاهل مكانة وحجم الموجودين في العمل السياسي ضد الإنجليز قبل تكوين الجبهة القومية، فالمجلس الوطني والقيادة التنفيذية المقترحة للجبهة القومية شُكلت معظمها من المنتمين أو المناصرين لحركة القوميين العرب ولم تراعِ وزناً للفصائل والشخصيات الوطنية الأخرى إلا كأتباع، ويؤكد على ذلك ما طرحه الأستاذ علي احمد السلامي في مداخلته التي قدمها في ندوة (الثورة اليمنية آفاق المستقبل الانطلاق.. التطور.. واحدية الثورة) التي أقيمت في شهر أكتوبر عام 2002م..في العاصمة صنعاء بالإضافة إلى أن الأمانة العامة لحركة القوميين العرب التي يرأسها جورج حبش والتي تتبعها الجبهة القومية لم تكن قيادة وطنية محلية وهذا أمر لم يتقبله السلطان محمد وزملاؤه.

الخلاف مع القيادة العربية

بدأت غيوم الخلاف مع القيادة العربية والمخابرات المصرية تتلبد. واستدعي السلطان محمد مع زملائه لزيارة القاهرة حيث جرت محاولة أخرى عبر الجامعة العربية لجعلهم ينضمون إلى الجبهة القومية وعند فشل المحاولة تم اخذ المطبوعات من مكتب الهيئة في صنعاء ثم إغلاقه بالشمع الأحمر من قبل المخابرات المصرية. مع بداية عام 1965م بدأ الخلاف يدب بين حركة القوميين العرب والقيادة المصرية في اليمن عندما لمسوا أن مرجعية الجبهة القومية كانت ببيروت وليست القاهرة. وبدأ الأخيرون يلتفتون إلى المهملين في الأمس. ففي مايو عام 1965م تبلورت اللقاءات في تعز عن تكوين منظمة تحرير جنوب اليمن المحتل ويرأسها عبدالله عبدالمجيد الاصنج وشغل فيها السلطان محمد منصب المسئول المالي. بعد اشهر قليله من قيام المنظمة دب الخلاف فيها ربما بسبب عدم التجانس في النهج بين قيادتها ثم التهمه الموجهة بالأساس الى عبدالله عبدالمجيد الاصنج من انه قد استلم معونات عسكرية باسم المنظمة من المانيا الشرقية ويوغسلافيا ودول اخرى ولايعرف مصيرها.

في شهر ديسمبر من نفس العام بدأت القيادة العربية في اليمن تطرح ضرورة دمج المنظمة بالجبهة القومية وكذلك بقية العناصر من أبناء الجنوب. أعضاء المنظمة وافقوا على الدمج بشرط إقصاء قحطان الشعبي وخمسة آخرين من الائتلاف الجديد، وافقت القيادة العربية على ذلك وكذلك الجبهة القومية وكان ذلك في نهاية العشر الأولى من شهر يناير.

إلا أن المفاجأة كانت ببيان صادر في 13يناير 1966م بتكوين جبهة التحرير موقع من عبدالله عبدالمجيد الاصنج عن منظمة التحرير وعلي احمد السلامي عن الجبهة القومية بينما الاخرون كانوا في نقاش وتسويات في تعز ويتضح من ذلك ان القيادات الحزبية كانت تنفر من القيادات القبلية بحجة انهم ينطلقون من مواقعهم كسلاطين ومشائخ وشخصيات اجتماعيه إلا إذا تخلوا عن مواقعهم التاريخية.

ورغم انه قد تم التصريح من قبل السلطان محمد والسلطان علي عبدالكريم بأنهم سيعملون بشخوصهم وإذا تم الاستقلال ولأي منهم رغبة في ممارسة السياسة فسيلتزمون بقبول مبدأ الانتخابات وسيرشحون أنفسهم كأي مواطن عادي له الحق في ذلك.

الا ان ذلك لم يحسن من صورتهم لدى من لايرغبون بهم أصلاً. كانت نزعة الاستقلالية لدى محمد بن عيدروس أقوى من ان يستطيع تجاوزها، لذلك لم يتوافق مع المخابرات المصرية في اليمن وكان يتهم تلك القيادة بانها وراء كل الخلافات بين ابناء الجنوب ويتهمهم بانهم لا يتعاملون الا مع من يتقاسم معهم المعونات المخصصة للثورة أو مع من يجزل لهم الهدايا وكان يصارحهم بذلك وغيره بشده.

اعتقال العيدروس

في تعز وفي الأسبوع الثالث من شهر فبراير عام 1967م تم اعتقال السلطان محمد مع اثني عشر من زملائه، ورحلوا الى صنعاء.

محمد صالح المصلي يعتقد ان رسالة منه الى السلطان محمد ربما كانت السبب فيما حدث والقيادة المصرية كانت تبحث عن مبررات لمن لا يتفقون معها.

إطلاق سراح السلطان محمد تم بعد حوالى سبعة عشر يوماً من اعتقاله ولولا الضغوط الاجتماعية الكبيرة لكان الأمر على غير ما تم عليه.

بعد ما حدث، لم يعد ليجد مبرراً لبقائه لذلك اتجه الى الزاهر ومنها الى يافع حوالى منتصف شهر ابريل 1967م.

حال الوصول إلى القارة ألقى في القبائل التي حضرت كلمة وأعلن فيها عن تنحيه عن السلطنة إلا أن الحاضرين من القبائل رفضوا ذلك وطلبوا منه الانضمام الى جبهة التحرير.

ونزولاً عند رغبتهم تم تشكيل وفد اتجه الى تعز للتفاوض مع القيادة المصرية هناك وكان تجاوب القيادة المصرية غير مشجع فعاد الوفد دون تحقيق المطلب.

بدأت الجبهة القومية بدخول المناطق الواحدة تلو الأخرى

 الحصن مقر سلطان يافع في الجزء الساحلي مقر السلطان في الحصن
الحصن مقر سلطان يافع في الجزء الساحلي مقر السلطان في الحصن

دون معارضة من الإدارة البريطانية، وتزامن ذلك مع وجود حاملة طائرات بريطانية في ميناء عدن وكانت تقلع منها طائرات حديثة من نوع هوكر هنتر وتحلق فوق مناطق يافع وخاصة فوق القارة بشكل شبه يومي. وفي 28 اغسطس 1967م،

أسقطت الجبهة القومية مدينة جعار والحصن (الجزء الساحلي من يافع بني قاصد)، واعتقل السلطان محمود وأخوه الأمير فيصل. قام الشيخ سنان أبو لحوم والشيخ احمد عبدربه العواضي باستدعاء الشيخ مقبل باعزب الكازمي ومحمد صالح المصلي والشيخ عبدالله مساعد المصعبي واخوه صالح مساعد إلى مجلس الشورى وطلبوا منهم التوسط بين الجبهة القومية وجبهة التحرير لوقف القتال الذي اندلع بينهم في 8 سبتمبر وبالذات في منطقة الشيخ عثمان والمنصورة.

كلف المذكورين بالخروج الى البيضاء ومعهم النقيب درهم نعمان. وتم الاتصال عبر محافظ البيضاء.

وفد الجبهة القومية أفاد بان بين الجبهتين وساطتين الأولى وساطة الشيخ محمد بن سالم البيحاني والثانية وساطة الجامعة العربية ولكن وبما أن الوفد القادم من البيضاء هم من أصدقاء محمد بن عيدروس فان الجبهة القومية تطلب توسطهم بينهم وبينه لفتح حوار معه باعتباره شخصية وطنية.

وفعلاً قام الوسطاء بمراسلة السلطان محمد وأخطروه بذلك فطلب الاتفاق على بعض الأولويات التي أخذها الموفدان معهما وتشمل ان السلطان محمد لا يطمح في السلطة وانه يرغب أن يعيش كمواطن عادي ويود ان يرى اخوته محمود وفيصل طليقين لعدم ارتكابهم أي جرم يستحقان الاعتقال عليه كما انه يود أن تفرج الجبهة القومية عن أمواله وأملاكه التي منعته عنها الادارة البريطانية.

وبعد عدة سفرات للوسيط بين الطرفين رافقتها عدة محاولات من القيادة المحلية للجبهة القومية لإسقاط القارة، احضر الوسيط خطاباً موقعاً من الأمين العام المساعد للقيادة العامة للجبهة القومية (حينها عبدالملك اسماعيل) يدعو فيه السلطان محمد للحضور الى عدن ضيفاً على الجبهة القومية وفي وجهها.

وكانت مغادرته الى عدن بعد آخر معركة وقعت في جبل اليزيدي بين أنصاره وأعضاء الجبهة القومية بقيادة فضل محسن عبدالله يومي 7و8 ديسمبر
 قلعة القارة تتوسط مكاتب السلطنة اليافعية
قلعة القارة تتوسط مكاتب السلطنة اليافعية

ورافقه في تلك الرحلة حوالى 130 شخصية اجتماعية ظل الوفد في عدن من 11 ديسمبر إلى 29 منه خلال تلك الفترة أعرب السلطان عن عدم رغبته في البقاء كسلطان وطلب من الوفد المرافق تشكيل لجنة للتفاوض مع قيادة الجبهة القومية وطلب من وزير الداخلية الإفراج عن اخوته وعن ممتلكاته والتفاوض مع لجنة الشخصيات الاجتماعية بدلا من التفاوض معه.

يوم الجمعة، 29 ديسمبر طلب من الوفد الذهاب لمقابلة رئيس الجمهورية في لقاء تعارفي وبدلا من أخذهم إلى قصر الرئاسة اخذوا الى السجن في أبين. يوم الأحد 7 يناير 1968م، دخل رجال الجبهة القومية إلى القارة، بعد أن غادرها أولاد عم السلطان محمد متوجهين إلى الزاهر. في 24 أبريل 1972م خرجت مسيرة في مدينة الحصن تهتف ابتهاجاً لمقتل سلاطين وحكام العهد البائد وكان في مقدمتهم منفذو العملية والسيارات التي كانت ملطخة بدماء الضحايا.

كان عدد من تم تصفيتهم في (سلب حمة) ثمانية عشر، وكان السلطان محمد واخوته محمود وفيصل من ضمنهم. لقد كان قدر السلطان محمد انه عاش في زمن كان المد فيه ضد الأنظمة الوراثية، ومهما كان عمله متصفا بالوطنية فهو سباحة ضد التيار.

الكاتب : فضل محمد عيدروس
 0  0  211

القوالب التكميلية للمقالات

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش. الوقت الآن هو 04:31 مساءً الثلاثاء 20 أكتوبر 2020.